محمد بن جرير الطبري
127
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مذهب قراءة ابن عباس ، إلا أن الذي حدثنا هكذا ذكر القراءة في الرواية . فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب لإجماع الحجة من القراء عليها . فأولى التأويلات بتأويل ذلك ، تأويل من قال : أنهم كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم أو تناجوه بينهم . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية ، لأن قوله : لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ بمعنى : ليستخفوا من الله ، وأن الهاء في قوله : مِنْهُ عائدة على اسم الله ، ولم يجر لمحمد ذكر قبل ، . فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم وهي في سياق الخبر عن الله . فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى . وإذا صح أن ذلك كذلك ، كان معلوما أنهم لم يحدثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به ، فلما أخبرهم جل ثناؤه أنه لا يخفى عليه سر أمورهم وعلانيتها على أي حال كانوا تغشوا بالثياب أو أظهروا بالبراز ، فقال : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يعني : يتغشون ثيابهم يتغطونها ويلبسون ، يقال منه : استغشى ثوبه وتغشاه ، قال الله : وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وقالت الخنساء : أرعى النجوم وما كلفت رعيتها * وتارة أتغشى فضل أطمارى يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ يقول جل ثناؤه : يعلم ما يسر هؤلاء الجهلة بربهم ، الظانون أن الله يخفى عليه ما أضمرته صدورهم إذا حنوها على ما فيها وثنوه ، وما تناجوه بينهم فأخفوه وَما يُعْلِنُونَ سواء عنده سرائر عباده وعلانيتهم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول تعالى ذكره : إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر وحق وباطل وخير وشر ، وما تستجنه مما لم يجنه بعد . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يقول : يغطون رؤوسهم قال أبو جعفر ، فاحذروا أن يطلع عليكم ربكم وأنتم مضمرون في صدركم الشك في شيء من توحيده أو أمره أو نهيه ، أو فيما ألزمكم الإيمان به والتصديق ، فتهلكوا باعتقادكم ذلك . والله أعلم ( تم الجزء الحادي عشر من تفسير الإمام ابن جرير الطبري ويليه الجزء الثاني عشر أوله القول في تأويل قوله تعالى ( وما من دابة في الأرض الآيات )